أحمد ابراهيم الهواري

252

من تاريخ الطب الإسلامي

ما أظن أن في الدنيا مثله ، وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد ، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه ، وأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخارف المحكمة ما زاد على الاقتراح ؛ وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات ، وأجرى فيه مياها كثيرة تدور على جميع البيوت ، زيادة على أربع برك في وسط إحداها رخام أبيض ، ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد عن الوصف ويأتي فوق النعت ، وأجرى له ثلاثين دينارا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة خارجا عما جلب إليه من الأدوية ، وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال وأعدّ فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء . فإذا نقه المريض فإن كان فقيرا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما ، يستقل ، وإن كان غنيا دفع إليه ما له وتركته وسببه ، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء ، بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلا أن يستريح أو يموت . وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله يعود المرضى ويسأل عن أهل بيت أهل بيت ويقول : كيف حالكم ؟ وكيف القومة عليكم ؟ إلى غير ذلك من السؤال ثم يخرج ، لم يزل مستمرا على هذا إلى أن مات رحمه الله في شهر صفر سنة 595 ه وله من العمر 48 سنة ومدة ولايته 16 سنة وثمانية شهور . الأطباء الذين خدموا في هذا المارستان 1 - أبو إسحاق إبراهيم الداني : كانت له عناية بالغة بصناعة الطب وأصله من بجاية ونقل إلى الحضرة ، وكان أمير البيمارستان وطبيبة بالحضرة وكذلك ولداه ، وتوفى الداني في مراكش دولة المستنصر بن الناصر « 1 » . 2 - محمد بن قاسم « 2 » بن أبي بكر القرشي المالقى نزيل غرناطة قال ابن الخطيب : كان بارع الكتابة والنظم حسن النادرة عارفا بالطب ، ولى النظر على البيمارستان بفاس ومات وسط سنة 757 ه وله 54 سنة .

--> ( 1 ) - عيون الأبناء في طبقات الأطباء ج 2 ص 79 . ( 2 ) - الدرر الكامنة في أعيان الماية الثامنة لابن حجر العسقلاني .